الأحد، 24 فبراير، 2008

الإطار النظري للمشروع التربوي


مصطفى شركـــــي
مفتش في التوجيه التربوي

سنتطرق في هذا المقال للرسالة التربوية الشاملة التي تؤديها المدرسة و هي تتفاعل، في تماسك
و انسجام، مع ثقافة و انتظارات الوسط .
و قد اخترنا أن نلامس هذا الجانب بواسطة المشروع التربوي. و ذلك لسببين:
· لأن المشروع التربوي يشرك جميع الفاعلين التربويين في عمل يتقاسمونه
و يتشاورون في شأنه و يختارونه و يرغبون في القيام به.
· لأن تبني طريقة المشروع يتطلب من المدرسة أن تخلق مزيدا من التماسك
و الانسجام بين متدخليها و ممارساتها التربوية و بين خطابها و فعلها و بين الأهداف
و الوسائل و النتائج.
تدعو المدرسة التي تنحو هذا المنحى شركاءها المقربين للمساهمة الفعلية في البحث عن الانسجام و التماسك بموازاة إبراز رغبتها في التقرب أكثر من واقع التلميذ و قدرتها على التكيف مع واقع الوسط الذي توجد فيه.
يعتبر إعداد و تحقيق مشروع تربوي وسيلة جيدة لتحقيق الأهداف المغربية المعلنة تجاه المدرسة و التي ندرجها كالتالي:
· أن نصالح المدرسة مع محيطها ،
· أن ندمج المدرسة في محيطها كفضاء اقتصادي و اجتماعي و ثقافي،
· أن نجعل من آباء التلاميذ خصوصا و المجتمع عموما شركاء حقيقيين في الفعل التربوي،
· أن نجعل من المدرسة وسيلة للترقي الاجتماعي،
يجب أن يكون القارئ، عند نهاية هذا المقال، قادرا على:
1- توضيح رؤيته للمشروع التربوي،
2- مفهمة Conceptualisation المشروع التربوي و إدماجه ضمن ممارسته اليومية في مجال التدبير،

الإطار النظري للمشروع التربوي: التعريف و الخاصيات

يصف الإطار النظري للمشروع التربوي محيط المدرسة و خاصياتها و يحدد شركائها و يوضح بتدقيق دور كل طرف في إعداد المشروع و تحقيقه و تقويمه.

1- التعريف:

المشروع التربوي هو الرؤية التي يخلقها وسط تربوي معين حول نمو التلميذ و ذلك بتيسير تشاور المتدخلين حول التوجهات و القيم التي تحددها و الأولويات التي يجب تسطيرها حسب المهمة التربوية المنوطة بالمؤسسة.
أين يتجلى تعبير " رؤية وسط تربوي " ؟ إن المدرسة، بطبيعتها وبأطرها التربوية و الإدارية
و تلاميذها، فضاء خاص بالتربية و التعليم يتفاعل مع الوسط الذي يتواجد فيه. و الوسط المشار إليه هنا هو المحيط الاجتماعي و الأشخاص اللذين يعيش بينهم التلميذ حياته اليومية.
بناء على ما سبق يمكن القول أن التعبير عن " رؤية وسط تربوي " لا يقتصر حصرا على المدرسة وحدها بل يشاركها فيه مجموع عوامل التربية الموجودة في الوسط الذي يترعرع فيه الأطفال.
تنشط المدرسة مهمتها التربوية، داخل وسطها، و تقويها من خلال البحث المستمر عن الانسجام
و التماسك و التشاور حول التوجهات و القيم التي تحظى بالأولوية.
إن المدرسة هي مهد المشروع لكن مهمة التربية لم توكل لها وحدها، و من تم تبرز أهمية اقتسام رؤية موحدة حول تطويرها، مع المتدخلين الآخرين.

2- الخاصيات:

يتميز المشروع التربوي بالخصوصيات التالية:

1.2 - المشروع التربوي إجراء ديناميكي:

المشروع التربوي إجراء ديناميكي، لا يتسم بالجمود لأنه يتطور و ينمو باستمرار و يتكيف مع الحاجيات و الوقائع الجديدة... لا يكون للمدرسة مشروعا بل " تكون المدرسة في مشروع ".

2.2 - لكل مدرسة مشروعها:

لكل مدرسة مشروعها و هو لصيق بواقعها ... تفرضه التعليمات الوزارية لكن تخلقه المدرسة
و تسهر على تحقيقه و تطبعه بلون محيطها.

3.2- يمكن المشروع التربوي جميع الفاعلين من التفكير:

يمكن المشروع التربوي جميع الفاعلين من التفكير من أجل تحديد القيم و المبادئ التي تؤسس للفعل التربوي. تنجز المدرسة مهمة التربية و التعليم بواسطة مشروعها التربوي مع مراعاة القوانين
و التنظيمات الوزارية و الواقع الاجتصادي و الثقافي. المشروع التربوي وسيلة للاستجابة لحاجيات التلاميذ و حاجيات المجتمع الذي يعيشون فيه في نفس الحين و هو يأتي لتفعيل و تدقيق التعليمات
و النصوص الوزارية و ملاءمتها مع واقع الوسط الذي توجد فيه المدرسة. الغاية يعرفها الكل لكن وسائل الوصول إليها تتغير تبعا لحاجيات التلاميذ و أولويات المدرسة.

4.2 - يتضمن المشروع التربوي كل عناصر خطة عمل:

إنه يتضمن كل عناصر خطة عمل قمينة بتحقيق التوجهات المتفق عليها، بعد التشاور مع كل الفاعلين المنتمين لمحيط المدرسة. تسهر إدارة المدرسة على تدبير المشروع التربوي و تقدم تقريرا حول تدبيرها للمدرسة تربويا و إداريا ، كما تخطط و تنفد و تراقب و تقوم مراحل تحقيق المشروع و تعمل على استمرار إنجاز العمل.
إن جوهر المشروع التربوي يتضمن مبدأ الاستمرارية في الزمن و التطور. بهذا المعنى " تكون المدرسة في المشروع "، بمعنى أنها في حركية دائمة نحو المستقبل و تتكيف باستمرار مع الواقع.

3- أنواع المشاريع:

يمكن القول أن المشاريع تختلف و تتعدد باختلاف وتعدد المدارس، لكن يمكن رغم ذلك تجميعها في ثلاث مجموعات، و ذلك حسب ممارسات الأشخاص:
· المشاريع التي تتمحور حول القيم،
· المشاريع التي تتمحور حول الميول و النزعات،
· المشاريع التي تتمحور حول التوجيهات،

1.3- المشاريع التي تتمحور حول القيم:

تقدم القيمة كحقيقة جميلة حسب معايير شخصية أو اجتماعية و تعتبر كمرجع و كمبدإ أخلاقي. عندما نتحدث عن حكم القيمة فنحن نقصد حكما أو تقديرا يتعارض مع حكم الحقيقة الذي يتحقق و يتأكد من الوقائع. قد علمتنا التجارب السابقة أن المشروع التربوي المتمحور حول القيم لا يحظى بالتعبئة
و التحفيز اللازمين للعمل لأن التراضي حول القيم الأساسية للإنسان مسألة صعبة.

2.3- المشاريع التي تتمحور حول الميول و النزعات:

هذا النوع من المشاريع استثنائي لأن الأمر يتعلق بمشاريع المدارس التي تقسم الوقت المخصص للتعلم بين التربية و الرياضة و الفنون.



3.3 - المشاريع التي تتمحور حول التوجيهات:

يولد هذا النوع من المشاريع الفعل و العمل و يكون التحفيز و التعبئة ممكنين من أجل إنجاز مشاريع موجهة نحو التغييرات المنشودة. تكتسب التربية تدريجيا من خلال علاقة التلميذ بمدرسين مختلفين. يلزم إذن أن ننتظر سنوات طويلة لنتمكن من قياس وقع التربية، و يكون من الصعب تصحيح الوضع إذا ما خطأنا. يصبح أسهل ، إذن، أن نقيس تأثيرات المشاريع المعدة انطلاقا من ملفات تحظى بالأولوية و أن نصحح أخطاء المسار أولا بأول.

4 - شركاء المشروع التربوي:

إن رؤية الوسط لتطور التلميذ تعتبر حجر الزاوية بالنسبة للمشروع التربوي. إنها القاعدة التي تبنى عليها المبادئ و تدقق التوجيهات و تصاغ الأهداف المطابقة لها. كما أن الوصول إلى النتائج المتوخاة يتم في جو تسوده الثقة و التعاون و التشارك بين مختلف الفاعلين التربويين ( إدارة المؤسسة
و المدرسين و الآباء) حيث يلعب كل طرف الدور الموكول إليه باعتبار المسؤوليات المنوطة به.

1.4 – أدوار الشركاء:

لكل من الإدارة و المدرسين و الآباء دور خاص يقومون به تجاه المشروع التربوي:

1.1.4– دور الطاقم الإداري:

· ينسق عملية إعداد المشروع التربوي و يسهل التشاور بين الآباء و التلاميذ و الموظفين كما ييسر مشاركة الجميع في الحياة المدرسية،
· يشتغل باتفاق و تنسيق مع الآباء،
· يتخذ التدابير و الإجراءات الضرورية لإنجاز و تقويم التوجيهات المحددة للمدرسة،
· يقدم تقريرا لجمعية الآباء حول درجة تطبيق و تنفيذ هذه التدابير و الإجراءات،

2.1.4 – دور المدرسين:

يضطلعون، في إطار المشروع التربوي، بدور يتعدى تنفيذ مهام التدريس لأن المدرس هو من يحين المشروع و يمرر القيم التي تنص عليها التوجيهات و هو العنصر الرئيسي الذي يعمل بجانب التلاميذ قصد تحقيق الأهداف التربوية. باختصار إن دوره أساسي و نظرا لذلك فهو:
· يساهم بشكل فعال في اختيار توجهات المدرسة،
· يقترح الوسائل الواجب استعمالها لإنجاز هذه التوجهات،
· يكيف منهجية عمله مع الأهداف التربوية،
· يساهم في تقويم النتائج التي تم الوصول إليها،

3.1.4 – دور الآباء:

يتمثل دور الآباء في التعاون المكثف مع المتدخلين الآخرين قصد تحقيق إنجاز المشروع..إن رأيهم إزاء التوجهات المختارة من طرف المدرسة ثمين جدا و تتكلف جمعية الآباء بتبليغ هذا الرأي لإدارة المؤسسة من خلال مشاركة رئيسها في مجلس التدبير. في هذا الصدد تنص القوانين الأساسية لهذه الجمعيات عما يلي:
· البحث عن كل ما هو في مصلحة التلميذ ماديا و أخلاقيا و فكريا و مناقشته بشكل جماعي ،
· المساهمة في ازدهار و تطور المدرسة،
· تيسير العلاقات و التواصل بين الآباء و السلطات التي تخضع لها المدرسة،
· التعبير عن رغبات ترتبط بالنقط المذكورة و تتبع إنجازها،
و حتى إن لم تشر النصوص التنظيمية المذكورة مباشرة إلى ذلك فنحن نعتقد أن إدارة المدرسة مطالبة بالتواصل المستمر مع جمعيات الآباء لتمتين عرى التعاون و إظهار إرادة الانسجام و التشارك، في المجال التربوي، بينها و بين محيطها. إن الاجتماعات التي تنعقد بين المدرسة و جمعية الآباء هي الفضاء الأمثل الذي يمكن المدرسة من إسماع صوتها و إدراك الصورة التي يكونها الآباء عنها.
يتمثل دور جمعية الآباء، في سياق المشروع التربوي، فيما يلي:
· نشر التوجهات التي تسطرها المدرسة، لتربية الشباب، بين أعضائها،
· إبداء رأيها للإدارة حول الإجراءات التي يجب اتخاذها لإنجاز المشروع التربوي،
· تيسير لقاءات الإدارة و الجمعية خلال الاجتماعات،
إن الدور المنوط بالإدارة فيما يتعلق بتنفيذ التوجيهات الخاصة بالمدرسة و إشراك مختلف الفاعلين يعتبر عاملا أساسيا لنجاح الممارسة التربوية.

4.1.4 – دور التلاميذ:

يقضي التلاميذ وقتا طويلا في المدرسة و ذلك يجعلهم قادرين على التحدث عن أحاسيسهم و عن المدرسة و عن الأعمال التي يطلب منهم القيام بها أو تلك التي يقومون بها. لذلك إنه لمن الإيجابي أن نعطيهم الفرصة للتعبير عن آرائهم حول المدرسة. على المدرسين و الآباء على حد السواء أن يجمعوا هذه الآراء و التعليقات و أن يقدموا فحواها للإدارة أو لمجلس التدبير قصد دراستها و الاستئناس بها.

خاتمـــة:

يتضمن الإطار النظري للمشروع التربوي عناصر قمينة بتحقيق بعض ما جاء في الميثاق الوطني للتربية و التكوين حول الأهداف التربوية المعلنة . إن المنطلق هو نمو و تطور التلميذ
و المشروع التربوي المنبثق عن المدرسة و الذي يحظى بدعم الشركاء و مساهمتهم، الملموسة، في وضع وتحقيق أهدافه، يجيب على، لا محالة، عن انتظارات المحيط و ينسجم مع مقتضيات الميثاق الوطني و تعليمات وزارة التربية الوطنية.


ليست هناك تعليقات: